فتحت المظروف الوردي الصغير للمرة العشرين ، وتأملت الكلمات تشبه قلائد فضّة ، صغيرة ومنمنمة ، ومرتبكة بعض الشيء . قرأت آخر كلمة : لاتنسى أرجوك حبيبي !!
منذ أن وطأت قدماي هذه المدينة للدراسة ، لم يكن لي عنوان واضح . كل غرفة استأجرها لأشهر لايزيّن صمتها ضجيج هاتف . وإن كنت محظوظا في غرفة ما بهذا الجهاز الذي يربطني بالعالم والأنفاس والحزن الطويل ، فلا ألبث أن يطردني المالك لأسباب كثيرة ، أشدّها تأخري عن سداد الأقساط الشهرية للإيجار ، وأبسطها دعوى الجار أنني عازب ومثير للشك ، ولاأصلي مع جماعة المسجد ، حتى لو كنت أول من يدلف وآخر من يتوقف لسانه عن اللهج بالدعاء والإستغفار .
كنت أقول لأصدقائي في الجامعة : الآن أصبح لي عنوان ثابت في ضياع هذه المدينة الضالة . الآن يمكنني التواصل مع العالم عبر هذا الصندوق السحري : البريد ، ولا يملك أحد في الدنيا أن يسلبه منّي . فتحت الرسالة وتأملت أسطرها الثلاثة ، والتوقيع ، والقلوب المشروخة في الزوايا ، والتاريخ الهجري واليوم .
قرأت الأسطر سريعا : أنتظرك الجمعة القادمة ، السادسة مساء ، عند سوق الزهرة ، على المقاعد الحجرية . إذا ماوصلتك الرسالة قبل الموعد ، يكون الجمعة بعد القادم . أمانة .. ضروري أشوفك .. مسألة مصير.
ياإلهي .. كم جمعة مرّت ! حاولت أن أعدّها ، لكنني توقّفت ، هل كانت الجمع مثل أسراب الحمائم ، التي تمرّ سربا سربا فوق رأسي قبيل يقظة الشمس ، فلا أسمع سوى حفيف أجنحتها المتدافع . ثم لاتترك اثر
بعد أن اكتشفت أمي مخبأي تحت الدرج ، لم تقل لي شيئا ، ولم تعتب عليّ . بل أنني لم أعرف أنها وقعت بالصدفة على عالم أحجاري المعشوقة ، إلا بعد أن عدت ذات ظهيرة من المدرسة ، وخلعت ثوبي بسرعة ، وانسللت إلى صحرائي ، فلم أجد غير الفراغ. صرتُ أصرخ بلا شعور . أضرب الجدران بجنون . خفّت أمي نحوي ، وبسملت كثيرا ، واحتضنتني . وهرع أبي على صراخي ، وماأن عرف سبب لغطي هذا ، حتى انهال عليّ ضربا وركلا . ظللت مريضا لأيام وليال . لم أعد استطع الرؤية ، كنت أستند على الجدران وأتحسّس الدرج والباب . وانقطعت عن الدراسة. تحسست مؤخرة رقبتي وأنا أدلف سوق الزهرة التجاري . كان عقربا الساعة يشيران إلى السادسة إلا عشر دقائق . حركة المتجوّلين داخل السوق كانت قليلة . ثمّة نساء يحملن أكياسا ويجررن أطفالهن ، وأطفال آخرون يمسكون بعباءات امهاتهم ويبكون . بعض الباعة يقفون على أبواب متاجرهم منتظرين المشترين . بعضهم ينسلون خائفين داخل متاجرهم حين يلمحون رجال هيئة أيضا أنا بدوري ارتبكت حين رأيتهم ، وقررت أن احتمي مثل فأر بمحل ملابس رجالية ، لأخرج بكيس بلاستيكي أحمله كي يشفع لي بالتجول . لحظتُ بطرف عيني المصاطب الحجرية . كانت امرأة تجلس وبحضنها رضيع . نظرت الساعة ، وكانت السادسة تماما . ارتبكت وتسارعت خفقات قلبي ، حتى كاد يقفز من أضلعى ويرتمى على بلاط الرصيف . اقتربت منها ، ومررت بجوارها ببطء. ياإلهي هل كانت هي ؟؟ بعد ستين جمعة ، وقد أدمنت الإنتظار كل سادسة ؟؟ قرّرت أن أعود مرّة ثانية ، ولكن هل أمرّ بجوارها ؟؟ أم أكون شجاعا أو وقحا فأجلس بجوارها ، أليس المقعد الحجري يتسع لثلاثة أشخاص ؟؟ وليس هناك سواها تجلس على طرفه؟؟ هذا صحيح ، ولكن لايوجد مكان لعاشق في هذه المدينة !!
بعد أن اقتربت منها تبادر إلى ذهني مظروفها الوردي الصغير . سأخرجه وأمسك به في يدي اليسرى التي ستكون بموازاتها . ربما تتذكّر مظروفها ، فليست ستين جمعة كثيرة لدرجة نسيان رسالة تحدّد مصير . لكن من هذا الرضيع في حضنها ؟؟ هل تزوّجت وأنجبت خلال سنة وأربعة أشهر؟؟ هل كان الموعد مصيريا لها ؟؟ لحظة مررتُ أمامها بخطابي الوردي في يدي ، لمحتُ عينيها تضجّان بالإرتباك ، وهي تفزّ فجأة كأنما ستتبعني . أسرعتُ مشيتي ، وأحسستُ بوقع حذاءها يلاحقني . التفتُّ بغتة ، فوجدتها تتبعني !! انعطفت نحو مواقف السيارات ، فانعطفت معي ، لكنها توقفت ، فالتفت خلفي حيث كانت تركب سيارة فارهة وجديدة . تسمّرت قرب سيارتي . وماأن مرّت السيارة ، حتى لمحتُ عينيها تطالعان نحوي ، لدرجة انها أدرات رأسها إلى الخلف بعد أن تجاوزتني السيارة . رفعتُ يدي ولوّحت لها ، ثم لمحت فجأة رجال الهيئة والجنديين يركبون سيارة جي إم سي ، ويغادرون السوق .
عدت إلى المقعد الحجري ، لربما تركت شيئا هناك . جلست مكانها بالضبط . تفحصت المقعد والبلاط تحته. تذكّرت حكاية عجيبة تقصّها جدّتي لي قبل النوم ، عن رجل يسير في الصحراء ، فيسمع أنينا خافتا وحزينا ، وبعد أن يبحث عن الصوت ، يدرك إنما كانت شجرة عوسج كبيرة وهائشة ،
أخرجتُ مفاتيحي من جيبي ، ورحت أرسم قلباً وعينين ، وماأن مشيت حتى سمعتُ حفيف امرأة طاغية الجمال تتبعني وتهمس في أذني : سأعيش معك ، حتى لو في بيت درج !! كنت أسمعها وأحاورها ، لكن كثيرون لايرونها معي . شبكت أصابعها في يدي ومشينا معا .
مشينا إلي اين لا ادري والعجيب انه لم يراها غيري
تمت
بقلم
المتخصص