مساكين العزاب في مجتمعنا المحلي.......
_________________________________........
...؛ وكأنه لايكفي حرمانهم العاطفي والجسدي حتى نكبلهم بقائمة طويلة من الممنوعات والمحظورات ومحاولات الحصار.. فهم مستثنون مسبقا من مراكز الترفيه والتسوق والمطاعم والسكن المناسب - بل وحتى مقاعد الانتظار ومواقف السيارات.. وأمام قائمة الاستثناءات هذه لايجدون حلا غير الانضمام لقائمة المتزوجين أو جماعات الفارين للخارج في كل صيف....
ورغم قسوة الحصار في مجتمعنا المحلي إلا أن اضطهاد العزاب ظاهرة قديمة ومعروفة في كافة الثقافات؛ فقبل أيام مثلا اصدر عمدة مدينة فتوجيري (في جنوب ايطاليا) إنذارا غريبا لعزاب مدينته هددهم فيه بالزواج والإنجاب - أو فرض ضرائب باهظة واستثناء من فرص التوظيف والاستثمار.. والسبب الذي دفعه لإطلاق هذا التهديد هو كثرة العوانس في بلدته والإغلاق المتصاعد للمدارس بسبب انخفاض معدل الإنجاب..
وقرار العمدة هذا ليس إلا مثالا للحرب غير المباشرة التي تشنها كل الأمم ضد العزوبية والعزاب (ونقول غير مباشرة لأن الأمر لم يصل أبدا حد الإجبار على الزواج).. فمحاباة المتزوجين (على حساب العزاب) تحصل دائما بطرق مباشرة وغير مباشرة.. فهناك مثلا تخصيص وظائف لا يشغلها إلا المتزوجون (كما في معظم أوروبا الشرقية) أو صرف إعانة إنجاب لكل طفل جديد (كما في استراليا وسنغافورة والكويت) أو تخصيص أحياء ومساكن للمتزوجين فقط (كما في مجتمعنا المحلي)... وفي المقابل هناك الكثير من الضغوط والحوافز التي تشجع العزاب على دخول القفص الذهبي - كنوع مقابل من الاضطهاد المنتج.. فالإسلام مثلا حث على الزواج لإكثار سواد الأمة - وقال فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم «يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ».. كما تدخل إعانات الزواج (والتوفيق بين رأسين بالحلال) ضمن الأعمال الخيرية في كافة المجتمعات الإسلامية...
ومن الحوافز الإيجابية - التي تروج لها معظم المجتمعات - الادعاء أن المتزوجين يعيشون لعمر أطول ولايتعرضون لمشاكل صحية ونفسية بالقدر الذي يواجهه العزاب. وللتحقق من صحة هذه الفرضية قامت مجموعة من الباحثين في جامعة كاليفورنيا بدراسة استمرت لعدة سنوات شملت قطاعات مختلفة من الشعب الأمريكي. ومن خلال سجلات الأحوال المدنية اتضح أن الرجال العزاب معرضون للموت بنسبة تبلغ ضعف نسبة المتزوجين - كما أنهم معرضون لدخول السجون وحوادث العنف بمعدل يزيد بثلاثة أضعاف الآباء المستقرين...
وكانت الدكتورة مارادي ديفيز - رئيسة الفريق - قد بدأت منذ فترة طويلة بدراسة تأثير نظم العيش المختلفة على حياة الإنسان. وبعد أن قامت باستبعاد عوامل أخرى تقلل من متوسط العمر (كالتدخين، وشرب المسكرات، والسمنة المفرطة) خرجت بالنتيجة السابقة - بل لاحظت أن النسبة لم تقل حتى مع العزاب الذين يعيشون بين أسرهم أو مع أصدقائهم المفضلين..
ومن النتائج الغريبة التي أظهرتها الدراسة أن الذين ماتت زوجاتهم أو انفصلوا عنهن بالطلاق عاشوا زمنا أقل (خلال تلك الفترة) ممن لم يتزوجوا إطلاقا. ومن الواضح هنا أن الاستقرار النفسي والإشباع الجنسي ورعاية الزوجة عوامل ترجح حياة الرجل لوقت أطول.. أضف لهذا أن وجود «الذرية» ذاتها يمنح الإنسان هدفا أسمى للحياة واهتماما بالعيش سليما لعمر متقدم!!
... وبناء على كل ماسبق افترض حسن النية في حصار العزاب - ولكنني أتساءل:
أليس من الأجدى التركيز على الحوافز المادية (وتوفير وظائف مضمونة) لكل من يرغب بدخول القفص الذهبي!؟
منقول......