سادساً : محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومتابعة :
أخي الراغب في اللحاق بقافلة المحبين اعلم أن هناك شرطاً عظيماً للحاق بها ألا و هو محبة النبي صلى الله عليه و سلم و متابعته و قال تعالى : ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) آل عمران31 قال الحسن قال قوم على عهد النبي انا نحب ربنا فأنزل الله تعالى هذه الآية ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ) وقال الجنيد ادعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحبة قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ] قال ابن القيم رحمه الله : [ فجعل اتباع رسوله مشروطا بمحبتهم لله وشرطاً لمحبة الله لهم ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه وتحققه بتحققه فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة ... سابعاً : قيام الليل :
الراغب في رفقة المحبين يتخذ له من سكون الليل فرصة للقاء بربه و سيده ومولاه يظهر الفقر و الحاجة ما بين قيام و ركوع و سجود و استغفار وقد مدح الله المحبين بقوله : ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (السجدة:16) و قال تعالى : (كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } وقال صلى الله عليه و سلم : ( واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل, وعزه استغناؤه عن الناس)) رواه الحاكم و صححه ووافقه الذهبي و صححه الألباني .
وعن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وهو قربة لكم إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم ) رواه ابن خزيمة و حسنه الألباني رحمه الله .
قال الحسن البصري: [ لم أجد من العبادة شيئاً أشد من الصلاة في جوف الليل, فقيل له: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره. نسأل الله من فضله ].
فاجتهد أخي أن يكون لك نصيب من الليل فإن لم تظفر بآخره و أوقات السحر فجاهد نفسك في تحصيل ذلك و لا تفرط في أوله فصلي من الليل قبل أن تنام و أختم يومك بالوتر و تذكر وصية النبي صلى الله عليه و سلم لأبي هريرة فقد قال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : (أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ ) رواه البخاري
================
ثامناً : الدعوة إلى الله :
ركاب قافلة المحبين يصيحون في الناس ليل نهار أن فروا إلى الله أحبوا ربهم فشغلوا بدلالة الناس عليه قال تعالى : (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33) تلا الحسن البصري هذه الآية فقال : [ هذا حبيب الله هذا ولي الله هذا صفوة الله هذا خيرة الله هذا أحب أهل الأرض إلى الله أجاب الله في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته وعمل صالحاً في إجابته وقال إنني من المسلمين هذا خليفة الله ]. تفسير ابن كثير صـ1659ـ قال ابن الجوزي رحمه الله : [ ألست تبغي القرب منه ؟ فاشتغل بدلاله عباده عليه فهي حالات الأنبياء عليهم الصلاة و السلام , أما علمت أنهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبد لعلمهم أن ذلك آثر عند حبيبهم ] صفقات رابحه صـ171.
فيا راغباً في اللحاق دونك أبواب الخير فهي مشرعة أمامك شارك في الدلالة على الله بنصيحة تسديها أو كلمة توجهها أو خطبة تذكر بها أو شريط توزعه أو كتيب تهديه أو يتيم تكفله أو محتاج تعينه ... إلى غير ذلك من أبواب الخير فكن مفتاحاً للخير تطيب حياتك في الدنيا و الآخرة
تاسعاً : الدعاء :
أخي الراغب في اللحاق بقافلة المحبين ألا أدلك على طريق من أيسر الطرق الموصلة إلى ذلك إنه الدعاء فقد لهج به الرسل و الأنبياء رغم أنهم قادة الركب و ما ذاك إلا ليعّلموا أممهم أن الدعاء هو طريق الظفر بحب الله عز وجل كيف لا و هو الذي يحب من دعاه و يعده بالإجابة قال تعالى : {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }غافر60 ولذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه و سلم : (أسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك ) رواه الترمذي و صححه الألباني و إذا أتم العبد الخطوات السابقة انضم بإذن الله إلى ركب المحبين .
و لكن من هم أولئك الركب المبارك ؟
يقول الله تعالى في بيان ركب المحبين: ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) (النساء:69) فما أعظمها من رحلة و ما أجله من ركب ! و تأمل أخي شوق قادة الرحلة و ربانها إليها حتى أنهم من فرط فرهم بها يلهجون إلى الله بالدعاء أن يلحقهم بأهلها و هم قادتها فيا لله العجب !
فهذا سليمان عليه السلام يدعو ربه فيقول : ( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل:19) وهذا يوسف عليه السلام يبتهل إلى ربه بقوله : ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف:101) وهذا خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام يقول : ( رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (الشعراء:83)
أحبتي في الله ورسوله إني أدعوكم إلى الفوز بصحبة هذا الركب المبارك فهيا بارك الله فيكم انضموا إلى قافلتهم إنها أخوتي قافلة ربانها محمد بن عبد الله بصحبة أنبياء الله عليهم أفضل الصلاة و أزكى التسليم فهل تبادروا باللحاق؟
===================
ماذا يحدث للعبد في هذه الحياة عندما ينضم إلى رحلة المحبين ؟
أولاً : يحبه أهل السماوات و الأرض :
عندما ينضم العبد إلى قافلة المحبين فلا تسل عما يحدث له ؟ بل لا تسل عما يحدث في الكون من حوله يقول صلى الله عليه وسلم : ( إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل : إن الله تعالى يحب فلاناً فأحبه ، فيحبه جبريل فينادي في أهل السماء أن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض ) رواه البخاري و مسلم إنها الكرامة الكبرى يوم أن يضم المسلم إلى تلك القافلة المباركة فيحقق أعظم الفوز يحبه الله و تحبه الملائكة و يحبه أهل الأرض يقول الله عز وجل : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } (فصلت:30/31) قال الإمام السعدي :{ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } يحثونهم في الدنيا على الخير، ويزينونه لهم، ويرهبونهم عن الشر، ويقبحونه في قلوبهم، ويدعون الله لهم، ويثبتونهم عند المصائب والمخاوف، وخصوصًا عند الموت وشدته، والقبر وظلمته، وفي القيامة وأهوالها، وعلى الصراط، وفي الجنة يهنئونهم بكرامة ربهم، ويدخلون عليهم من كل باب { سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ }
تأمل أخي بارك الله فيك هذه الآيات لتعلم مقدار حب الملائكة لمن انضم إلى ركب المحبين يقول تعالى : (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (غافر:7ـ9) ما أجملها من حياة تحفها ملائكة الرحمن مكللة بالدعاء و الاستغفار و الحفظ وارعاية و الحب و الوداد يوضع لصاحبها القبول في الأرض فسائل الشجر و الحجر و الطير و سائر المخلوقات كم تكن له من الوداد و كم تأنس بقربه و وصاله بلغني الله و إياك أخي الحبيب هذه المنزلة .
ثانياً : العيش السعيد في الدنيا :
قال الله تعالى : {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }النحل97 يقول ابن القيم رحمه الله تعالى معلقاً على هذه الآية : [ وقد ضمن الله تعالى لكل من عمل صالحاً أن يحييه الله حياة طيبة ، فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده ، وأي حياة أطيب من حياة من اجتمعت همومه كلها وصارت هماً واحداً في مرضاة الله تعالى ؟ ولم يتشعب قلبه بل أقبل على الله ....... إلى أن قال : ولا بد لكل من عمل صالحاً أن يحييه الله حياة طيبة بحسب إيمانه وعمله ].
ويقول سيد رحمه الله: [ وإن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض ... لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال فقد تكون به ، وقد لا يكون معها . وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة . فيها الاتصال بالله ، والثقة به ، والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه .. وفيها الصحة والهدوء والرضى والبركة ، وسكن البيوت ومودات القلوب ، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة ]. اهـ رحمه الله .
يقول ابن القيم : [ و الإقبال على الله تعالى ، و الإنابة إلية ، و الرضى به و عنه و امتلاء القلب من محبته و اللهج بذكره و الفرح و السرور بمعرفة : ثواب عاجل و جنة ، و عيش لا نسبة لعيش الملوك إليه البته .
سمعت شيخ الإسلام بن تيمية قدس الله روحه يقول : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة .
و قال لي مرة : ماذا يصنع أعدائي بي أنا جنتي و بستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني ! أنا حبسي خلوة و قتلي شهادة و إخراجي من بلدي سياحة .
و يقول : المحبوس من حبس قلبه عن الله و إن المأسور من أسره هواه .
و يقول ابن القيم : و علم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه مع ما كان فيه من ضيق العيش و خلاف الرفاهية و النعيم بل ضدها و مع ما كان فيه من الحبس و التهديد و الإرهاق و هو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً و أشرحهم صدراً و أقواهم قلباً و أسرهم نفساً تلوح نضرة النعيم على وجهه .
و كان بعض العارفين يقول : لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا عليه بالسيوف و قال آخر : مساكين أهل الدنيا خرجوا منها و ما ذاقوا أطيب ما فيها؟ قيل : و ما أطيب ما فيها ؟ قال : محبة الله و معرفته و ذكره أو نحو هذا .
وقال آخر : إنه لتمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب .
يقول أحد التائبين من التفحيط : يا شباب الإسلام لن تجدوا السعادة في السفر و لا في المخدرات و التفحيط ، لن تجدوها أو تشموا رائحتها إلا في الالتزام و الاستقامة و في خدمة الدين .
و تقول فتاة تائبة : فيا من تبحثون عن السعادة عن الاستقرار النفسي عن الطمأنينة عن النقاء عن الصفاء عن المعاني الإنسانية لا تبتعدوا كثيراً ستجدون ظالتكم بين أيديكم في القرآن الكريم في تعاليم الدين قال تعالى

وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً)(الاسراء::82)